جيش الإحتلال الصهيوني يقصف غزة لليوم الثاني عشر والردود العربية قاسية جداً حتى الآن, فهي تشتم وتلعن وتتوعد وتردد كلمات أغاني وأشعار مشهورة وقديمة وهناك الكثير الكثير من الأشعار والشعارات والتصاميم الجديدة التي نظمت خصيصاً للحدث, والجميع مواظبون على إحصاء عدد القتلى والجرحى وعلى ترديد الشعارات الثورية القاسية أيضاً! ولكن, أريد أن أسأل الجميع, لمن يكتبون تلك الكلمات؟ من المستهدف لأن يقرأها؟ وما الأهداف من قراءتها؟ أهي لحشد النفوس وتحميس الهمم لمواجهة العدو؟ أهي دعوات لخوض حرب رادعة تعيد الحقوق لأصحابها وتحاسب الظالمين المعتدين وتعاقبهم؟ جميل جداً, هذا حلمي أنا أيضاً وطالما تأملت لحظة النصر ورفع الهوان, ولكن, مَن سيحارب مَن؟ جيش العدو مُعَدّ ومُجهَّز بشكل كبير ومتقن, وموحَّد القيادة العليا والقرارات والتوجيهات, فأين نحن وقدراتنا ووحدتنا من كل هذا؟ ولنفرض أن الحماس الشعبي تفاقم وعلت الصرخات الى السماء وكسرت كل الحواجز والحدود ودخلنا فلسطين بغضبنا وشعاراتنا القاسية, ماذا بعد ذلك؟ دخلنا الحدود - بغض النظر عنوة أو بالتراضي- الى أين سنذهب؟ ما هي خطتنا المرسومة للإطاحة بجيش ودولة الإحتلال؟ ما الذي سنفعله وقد عجزالملايين في فلسطين عن فعله خلال عناء وحاجة أعوام طويلة ؟ هل هناك معجزة في انتظار عبورنا الحدود لتحدث؟
ولنعتبر أن هدف تلك الشعارات ليس حشد عواطف العرب لدخول فلسطين ولتحريرها, بل أنه لفضح الممارسات العنصرية الهمجية التي يقوم بها أفراد العصابة الصهيونية ضد الفلسطينيين في فلسطين -مع أنني أرى في التقليل من شأنهم إهانة لنا نحن, حيث أن تلك الأقلية هي ما يتحكم بمصائر ما يقارب 350,000,000 عربي في الشرق الأوسط-, فهل حدث أن استجاب العالم يوماً لمعلوماتنا أو لاستغاثاتنا أو لتظلماتنا - الدائمة - للمجتمع الدولي؟ على فرض أنهم يفهمون لغة ومضموناً ما نكتب من شعارات قاصفة وقاسية طبعاً! أذن لا بد من أن هناك خلل ما, إما أن يكون هذا الخلل في خطاباتنا ومحتوياتها أو أن يكون في موقف المجتمع الدولي المسبق من قضيتنا -الذي يتبع نظرته إلينا بطبيعة الحال- فنحن لا نفعل شيء غير البكاء والشكوى والدعاء ومطالبة الغير بإزالة الأذى عنا كأن نستجدي بهتلر مثلاً أو أن ننادي على صلاح الدين ليعود إلينا من الموت ليفتح القدس ويحررها من جديد, أهو اعترافنا بالعجز؟ أهو فقداننا لكل الآمال في أن ننتج أبطالنا الجدد؟ هل أصبحنا يائسين الى هذا الحد؟ ولماذا؟
فكرت وأفكر دائماً في مشكلتنا القديمة مع الكيان الصهيوني الدخيل المزروع في أهم مفصل جغرافي للعالم العربي, كما وأفكر في ما يؤمن له غطاء الوقاية الدولية ليعطيه صلاحيات لكل ما يرغب في فعله على أرض فلسطين, وكل مرة كنت أفكر في هذه المعضلة كنت أنتهي الى مثل شعبي أو مقولة تاريخية وكلها تصب في نفس الوعاء, فمرّة انتهى بي المطاف الى المقولة الشهيرة أكلت يوم أكل الثور الأبيض ومرة أخرى الى المثل الشعبي الشهير أيضاً قالو يا فرعون مين فرعنك؟ قال ما حدا ردني وكثيراً مما يشابه تلك الأمثال والمقولات, كل هذا يوجهنا الى التفكير الذاتي والبحث عن الحل لمشاكلنا في داخلنا نحن ويدعونا لأن نواجه أنفسنا بأغلاطنا قبل أن نلعن أغلاط العالم, وكلنا نعلم أن الشجاعة الحقيقية هي في مواجهة النفس وليست في مواجهة الخطر. كثيراً ما نرفض فكرة أننا ضعفاء وما سبب رفضنا إلا هروباً من الواقع الأليم ومرارة الإعتراف به! ولكن هذا الهروب لن يغير في المشكلة إلا أن يزيدها سوءاً -بالنسبة لنا نحن طبعاً- وأن يزيد من تعقيدات تفصيلاتها المتزايدة باستمرار مرور الوقت. فلنفكر في ضعفنا ونعرّفه أوّلاً, هو عجزنا عن رد الأذى عن أنفسنا وعجزنا عن التصدي لأي عدوان خارجي على أرضنا وعلى خيراتها, هذا ما يحصل لنا على أرض الواقع منذ مدة لا بأس بها, فنحن عاجزون -منذ زمن- عن إنقاذ فلسطين من الإحتلال وعجزنا أيضاً عن الوقوف بجانب العراق -مثلاً- في محنته واكتفينا بالبكاء والعويل على صدام حسين ولم نضيع أي فرصة في أن ننوّه الى موعد إعدامه الذي كان في أول أيام عيد الأضحى المباركة وما فيه من امتهان لكرامة المسلمين وأن هذه حرب دينية وأن الإسلام مستهدف… إلخ, نحن دائماً نكتفي بذكر المصائب التي تصيبنا ولا نفعل شيء حيالها سوى التعبير بشعارات ساخنة و قاسية لا توجع إلا قلوبنا ولا تساهم إلا في زيادة إحباط نفسياتنا لأن عقلنا الباطن قد تعود على مثل تلك المسلسلات من أفعال إجرامية وما يتبعها من ردود أفعال خطابية بمدة صلاحية أقصر من مدة صلاحية الحليب الغير مبستر طبعاً وللأسف فقد انتبه أعداؤنا الى هذه الصفة فينا منذ زمن بعيد وهي ما يعوّل عليها في اتخاذ أي قرار ضدّنا, فردّة فعلنا صارت محفوظة لديهم (سيثورون قليلاً ثم ينسون ويعودون الى مشاكلهم اليومية) وبلا أي تأثير نعاود الغضب المنفوخ بالهواء كل مرة, وبعد انتهاء كل عاصفة تعصف بنا نخرج منها بحناجر مرهقة ونفسيات محطمة لكثرة مشاهدة دماء ذوينا تسيل مجاناً, ويخرج المعتدون منها بإحراز خطوة جديدة متقدمة لصالح خطتهم طويلة الأمد. إذن, هل مرور الوقت لصالحنا؟
كل مرة كنت أفكر في حل لمشكلتنا كنت أصطدم بحائطين متتاليين, الأول هو تفاصيلها المهولة والآخر هو اليأس العام.
الحائط الأول, كثرة تفاصيل المشكلة. حتى الآن لم نتعلم معنى التعددية وقبول الغير كجزؤ آخر من نفس المجتمع العربي الواحد -حتى لو كان هذا الغير لا يعتقد بمعتقداتنا- وللأسف كل منا هو عدو لكل مَن هو غيره -مَن يختلف معه فيما يعتقد-, يحاول إلغائه والظهور عنه و حتى إبادته إن استطاع ولو كان أخوه, لم نتعلم من كل ما حدث ويحدث وسيحدث -إن لم نغير نظرتنا للغير منا- أن ضعفنا هو تفرقنا وتشرد أهدافنا وسيطرة عواطفنا على عقولنا في إنتاج ردود أفعال آنيّة دائماً ليس لها أي يد في تغيير أي مجرى للأحداث من حولنا -مع أننا دائماً من يتأثر بهذه الأحداث-, هذا التفرُّق والتشرذم والإلتهاء بالخلافات الداخلية عن المواجهات الخارجية التي تحدد مصيرنا هي أسباب عجزنا عن تشكيل قوة سياسية مؤثرة في المجتمع الدولي تساهم في رسم مستقبل وجودنا ضمن العالم المتحضر, وعجزنا عن إعداد قوة ردع عسكرية لمنع أيّ كان من أن يتبلطج علينا أو أن يمتلك كرامتنا وحريّة التصرف بها بما يتماشى مع مصالحه الخاصة, وهو أيضاً سبب لعجزنا عن المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |